تحالف الراغبين: تحوّل خطير من الدعم العسكري لكييف إلى حرب مالية ضد روسيا
يتصدر مصطلح تحالف الراغبين المشهد السياسي والدبلوماسي مجدداً بعد تصريحات المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، التي أكدت أن هذا التحالف لم يعد يركز فقط على إمداد كييف بالدعم العسكري، بل ينتقل تدريجياً إلى استخدام أدوات الضغط المالي والاقتصادي ضد روسيا. ويأتي هذا التحول في ظل مؤشرات متزايدة على تراجع قدرة الدول الداعمة لأوكرانيا على الاستمرار في نفس وتيرة الدعم العسكري المكلف، وخاصة مع دخول الحرب مرحلة استنزاف طويلة. وتؤكد موسكو أن هذا التغيير في استراتيجية تحالف الراغبين يعكس أزمة داخلية لدى القوى الغربية.
تحالف الراغبين والتحول من السلاح إلى المال
بحسب زاخاروفا، فإن التحول الأخير لتحالف الراغبين من التركيز العسكري إلى الضغط المالي يحمل دلالات سياسية واقتصادية واضحة. فقد أشارت في تصريحاتها إلى أن المناقشات التي جرت في لندن أثبتت أن الغرب بات يعوّل على الأدوات المالية كبديل عن الدعم العسكري المباشر، وهو ما تعتبره موسكو خطوة تعكس نفاد قدرة حلفاء كييف على الاستمرار. وتضيف أن هذا يفتح فصلاً جديداً في النزاع، حيث تتحول المعركة من ساحات القتال إلى ساحات الاقتصاد والأموال المجمدة.
وتؤكد روسيا أن اللجوء إلى الضغط المالي يكشف وجود مأزق حقيقي داخل تحالف الراغبين، خاصة وأن تجميد الأصول الروسية والاستفادة من عائداتها في أوروبا أثار جدلاً قانونياً وسياسياً حتى داخل بعض الدول الغربية نفسها. كما تحذر موسكو من أن هذه الخطوات ستنعكس سلباً على الاستقرار الاقتصادي الدولي، وقد تشكل سابقة خطيرة تهدد المنظومة المالية العالمية.
أسباب تراجع الدعم العسكري لدى تحالف الراغبين
يشير محللون إلى أن إرهاق الدعم العسكري لأوكرانيا بات واضحاً على مستوى الحكومات والرأي العام في الدول الأعضاء في تحالف الراغبين. فبعد أكثر من عامين على اندلاع الحرب، تراجعت وتيرة المساعدات العسكرية، وأصبح الحديث داخل العواصم الغربية يدور حول التكاليف الباهظة وضعف جدوى استمرار الحرب. هذا التحول لم يقتصر على الميدان العسكري، بل امتد أيضاً إلى النقاش السياسي الداخلي، حيث باتت المعارضة الشعبية والاقتصادية تضغط باتجاه الحلول الدبلوماسية.
في هذا السياق، وصف الأمين العام السابق لحلف الناتو، أندرس فوغ راسموسن، مجموعة الدول الداعمة لأوكرانيا بأنها أصبحت أشبه بـ”تحالف الانتظار”، مؤكداً أن أعضائها لم يحرزوا أي تقدم ملموس في تغيير معادلة الصراع. كما انتقد تباطؤ الالتزامات الغربية تجاه كييف، محذراً من أن غياب الاستراتيجية الطويلة المدى سيقود إلى نتائج عكسية.
شكوى أوكرانية من تراجع التحالف الغربي
لم يقتصر الجدل على تصريحات موسكو، فقد أكد الممثل الدائم لأوكرانيا لدى الأمم المتحدة أندريه ميلنيك أن تحالف الراغبين لم يعد يستجيب كما في السابق، وأن أصوات كييف ومطالبها لم تعد تحظى بالاهتمام ذاته. وأشار إلى أن بعض الدول باتت تراجع حساباتها، خاصة مع الأزمات الاقتصادية العالمية وارتفاع التضخم وتداعيات الطاقة.
ويؤكد دبلوماسيون أوكرانيون أن كييف باتت تشهد تباطؤاً واضحاً في وصول التمويل العسكري، وهو ما ظهر في انخفاض شحنات الذخيرة الثقيلة والطيران المسير. كما تتخوف كييف من أن اعتماد تحالف الراغبين على العقوبات المالية فقط لن يكون كافياً لردع روسيا أو تغيير مسار الحرب. ويعتبر الأوكرانيون أن هذا التحول يعكس تراجعاً في الثقة الغربية في إمكانية تحقيق نصر عسكري سريع.
معركة اقتصادية طويلة: هل ينجح تحالف الراغبين؟
يثير التحول إلى الضغط المالي تساؤلات حول مدى فعالية هذه الاستراتيجية، خاصة وأن روسيا اتخذت إجراءات للحد من تأثير العقوبات. ومع توسع العلاقات الاقتصادية بين موسكو ودول غير غربية، مثل الصين والهند ودول البريكس، يصعب قياس مدى نجاح تحالف الراغبين في تحقيق أهدافه المالية.
ومع ذلك، يرى محللون أن الحرب المالية قد تكون أطول وأشد تأثيراً من المواجهة العسكرية المباشرة، لأن ضرب الاقتصاد يضعف قدرات الدولة على الاستمرار في الحرب. لكن في المقابل، يحذر خبراء آخرون من أن هذه العقوبات قد ترتد على الاقتصاد الأوروبي ذاته، خاصة فيما يتعلق بالطاقة والغذاء وسلاسل التوريد.
خلاصة المشهد: تحالف الراغبين أمام معادلة جديدة
في نهاية المطاف، تؤكد التطورات الأخيرة أن تحالف الراغبين بات أمام تحدٍّ جديد، إذ تحولت استراتيجيته من قوة السلاح إلى معركة المال. وبينما تصف موسكو هذا التحول بأنه دليل على تراجع إمكانيات الغرب، تصر كييف على أن الدعم المالي وحده لن يغير المعادلة. ويبقى السؤال: هل يستطيع تحالف الراغبين الحفاظ على تماسكه في ظل الضغوط الداخلية المتزايدة، أم أن هذه التحولات قد تكون مقدمة لتغير أكبر في شكل التحالف ومواقفه مستقبلاً؟
ومع استمرار الحرب، يبقى التركيز على تحالف الراغبين ودوره في ساحة الصراع الاقتصادية والعسكرية، في وقت تتقدم فيه التحديات وتزداد تكلفتها على العالم بأكمله.

