محاكمة نتنياهو: قرار قضائي جديد يرفض تخفيف الجلسات ويصعّد الضغوط على رئيس الوزراء
تتزايد التعقيدات المحيطة بمحاكمة نتنياهو في إسرائيل، بعد أن رفضت هيئة المحكمة الإسرائيلية، مساء الأربعاء، للمرة الثانية خلال أسابيع، طلب فريق الدفاع تخفيف جدول الجلسات المكثّف المفروض على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ويأتي هذا الرفض الجديد ليؤكد إصرار القضاء الإسرائيلي على مواصلة الإجراءات بوتيرة عالية، وسط تقديرات سياسية وقانونية تشير إلى أن هذا الملف سيترك تأثيرات حاسمة على مستقبل المشهد السياسي في إسرائيل.
القرار القضائي وتشديد إجراءات محاكمة نتنياهو
هيئة المحكمة أوضحت أن الجلسات الأربع أسبوعياً ضرورية لضمان عدم تعطيل العدالة أو تمديد محاكمة نتنياهو بشكل قد يفقد القضية معناها القانوني. وذكرت المحكمة أن هذا القرار مرتبط باعتبارات تنظيمية تتعلق بمدة ولاية رئيسة الهيئة القاضية ربيكا فريدمان فيلدمان، التي يرغب الجهاز القضائي في تمكينها من إنهاء المداولات وإصدار الحكم قبل وصولها إلى سن التقاعد الإلزامي.
وبحسب المحكمة، فإن تخفيف عدد الجلسات في هذه المرحلة قد يؤدي إلى تأخير غير مبرّر، الأمر الذي قد يضر بنزاهة الإجراءات ويخلق فراغات زمنية طويلة يصعب تعويضها لاحقاً، وهو ما يهدد بإعادة الملفات من نقطة الصفر.
اعتراض الدفاع وتحديات الاستمرار في محاكمة نتنياهو
فريق الدفاع عن نتنياهو، وعلى رأسه المحامي عميت حداد، قدم اعتراضه على هذا الجدول الحاد، مؤكداً أن الجلسات المتتالية تعيق إعداد المستندات القانونية ومراجعة الملفات المعقدة المرتبطة بقضايا الفساد والرشوة المعروفة إعلامياً باسم «ملفات الألوف».
وبحسب الدفاع، فإن ضخامة المواد القانونية تتطلب وقتاً أطول لترتيب الاستجوابات وتحليل الأدلة، الأمر الذي يجعل الاستمرار أربع مرات أسبوعياً «غير قابل للتطبيق من الناحية المهنية». وحداد أبلغ المحكمة أنه أخطر نتنياهو بإمكانية تنحي الفريق بالكامل إذا استمر الوضع على هذا النحو.
لكن المحكمة رفضت أيضاً طلب الانسحاب، معتبرة أن استبدال فريق الدفاع في منتصف محاكمة نتنياهو سيعرقل الإجراءات، ويؤدي إلى تأجيلات طويلة ويمنح المتهم ميزة زمنية غير عادلة.
رد نتنياهو وضغوط السياسة والحكم
نتنياهو عبّر خلال الجلسة عن استيائه من الجدول الضاغط، مشيراً إلى أنه ينام ساعات قليلة جداً في أيام المحاكمة، في ظل مسؤوليات سياسية وأمنية واسعة. وقال: «أقوم بواجبي من أجل إسرائيل، في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ الدولة». تصريحات نتنياهو اعتُبرت محاولة سياسية للربط بين محاكمة نتنياهو ومهامه الحكومية، رغم أن القضاء رفض إعطاء هذا الربط أي وزن استثنائي.
ويرى مراقبون أن استمرار الجلسات بوتيرتها الحالية سيضع رئيس الوزراء أمام اختبار صعب: إما مواصلة إدارة الحكم وسط ضغوط المحاكمة المتكررة، أو مواجهة حالة إرهاق سياسي قد تنعكس على ائتلافه الحاكم وإدارة الملفات الأمنية والاقتصادية.
الأثر السياسي المحتمل على مستقبل الائتلاف
المراقبون يشيرون إلى أن محاكمة نتنياهو لم تعد مجرد قضية قانونية، بل تحولت إلى معركة سياسية كبرى. فنتائج استمرار الجلسات قد تؤدي إلى تراجع تأثير نتنياهو السياسي داخل ائتلافه إذا شعر الشركاء بأن استمرار الأزمة القانونية يضعف قدرتهم على الحكم أو إدارة ملفات الأمن والاقتصاد.
كما يخشى اليمين الإسرائيلي من أن تصاعد المحاكمة سيمنح المعارضة فرصة لتعزيز خطابها القائم على فقدان الثقة في السلطة، خصوصاً في ظل التوتر الداخلي والخلافات داخل الكنيست حول قضايا الأمن والقضاء.
مستقبل محاكمة نتنياهو والسيناريوهات القادمة
من المتوقع استئناف الجلسات الأسبوع المقبل بالوتيرة نفسها، وسط ترقب إعلامي وقانوني كبير. وإذا استمر الرفض القضائي لأي تخفيف في الجدول، ستبقى محاكمة نتنياهو عاملاً ضاغطاً على الحكومة، وقد تشهد إسرائيل واحدة من أطول وأشد المحاكمات السياسية حساسية في تاريخها الحديث.
في المقابل، يرى محللون أن التزام المحكمة بتسريع الإجراءات قد يؤدي إلى حسم القضية خلال أشهر، ما قد يحسم مستقبل نتنياهو سياسياً، سواء عبر البراءة أو الإدانة. وفي كلتا الحالتين، يبدو أن إسرائيل تدخل مرحلة غير مسبوقة تتقاطع فيها العدالة مع السلطة، وتتشابك فيها القوانين مع النفوذ السياسي.
وفي النهاية، تؤكد التطورات الأخيرة أن محاكمة نتنياهو لم تعد حدثاً قضائياً عادياً، بل ملفاً محوريّاً يشعل الجدل داخل الدولة ويؤثر في صورة النظام السياسي الإسرائيلي داخلياً وخارجياً، وسط تساؤلات عمّا إذا كانت الدولة ستتمكن من الفصل بين العدالة والسلطة دون انهيار الثقة العامة.

