أزمة مالي: تهديد خطير لباماكو مع تمدد الجماعة الجهادية وفشل الدعم الروسي
تتصاعد أزمة مالي بشكل خطير في الأسابيع الأخيرة، بعد اقتراب جماعة جهادية تابعة لتنظيم القاعدة من العاصمة باماكو، وسط عجز واضح لقوات المجلس العسكري وشركائه الروس في وقف تمدد المسلحين. هذا التصعيد وضع البلاد أمام سيناريو مقلق، إذ بدأت تداعياته المباشرة تظهر في نقص الوقود، وإغلاق المؤسسات، وارتفاع حالة الخوف بين السكان. ويخشى مراقبون أن الأزمة تقترب من نقطة الانفجار، خاصة مع ضعف الدعم الخارجي وتنامي قدرات الجماعة الجهادية التي تفرض نفوذًا متزايدًا في مناطق واسعة من مالي.
تصاعد الهجمات ودور الجماعة الجهادية في أزمة مالي
بدأت أزمة مالي تأخذ منحى أخطر عندما عمدت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” إلى استهداف طرق الإمداد الحيوية المؤدية إلى باماكو، ما تسبب في أزمة حادة في الوقود داخل العاصمة. مقاطع مصوّرة أظهرت طوابير طويلة أمام محطات الوقود، فيما أُجبرت المدارس والجامعات على الإغلاق بسبب غياب المحروقات. ويؤكد محللون أن الجماعة باتت تعتمد استراتيجية “الحرب الاقتصادية” للضغط على الحكومة، وهو أسلوب مركّب يجمع بين السيطرة الميدانية وإضعاف البنية الاقتصادية للدولة.
خلال الشهرين الماضيين، شنت الجماعة هجمات ممنهجة على قوافل شاحنات الوقود القادمة من دول الجوار، مثل ساحل العاج والسنغال. وفي سبتمبر الماضي، هاجمت قافلة تضم أكثر من 100 شاحنة وأحرقت نصفها، وفق بيانات مشروع ACLED المعني بتحليل الأزمات والنزاعات الدولية. هذه الهجمات ساهمت في تعميق أزمة مالي، وأثارت موجة غضب شعبي ضد المجلس العسكري، الذي عجز عن حماية الطرق الاستراتيجية.
العجز العسكري الروسي في أزمة مالي
منذ عام 2021، استعانت الحكومة في مالي بعناصر روس ضمن ما يُعرف باسم “فيلق إفريقيا”، في محاولة لملء الفراغ الذي خلفه انسحاب القوات الفرنسية. لكن الوقائع الميدانية تشير إلى أن الدعم الروسي فشل في احتواء خطر الجماعة. فقد تكبّدت القوات الروسية خسائر كبيرة، ومن بينها كمين معقّد العام الماضي أدى إلى مقتل نحو 50 جنديًا روسيًا في شمال البلاد. هذا العجز العسكري كشف ضعف التنسيق بين القوات الروسية والقوات المالية، وزاد من تعقيد أزمة مالي الأمنية.
إلى جانب ذلك، تتهم منظمات حقوقية القوات المالية وشركاءها الروس بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين، خصوصًا من قبائل الفولاني، بما في ذلك الإعدامات الميدانية والاختفاءات القسرية. هذه الانتهاكات عمّقت الانقسامات المجتمعية، ودفعت قطاعات من السكان إلى التعاطف مع الجماعات المسلحة، ما ساهم في انتشارها بدل تراجعها، وزاد من خطورة أزمة مالي المستمرة.
تحذيرات دولية من تفاقم أزمة مالي
في ظل التدهور الأمني المتسارع، حثّت الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا رعاياها على مغادرة باماكو فورًا، في خطوة تعكس حجم المخاوف الدولية من انهيار الوضع الأمني. السفارة البريطانية تحدثت عن “خطر داهم وانفلات أمني غير متوقع”، بينما وصفت الخارجية الأمريكية الوضع بأنه “غير مستقر وغير قابل للتوقع”. هذه التحذيرات عززت الشعور العام بأن العاصمة قد تكون على أعتاب حصار كامل، أو قد تواجه هجومًا مباشرًا أو حالة انهيار شامل.
بيانات دولية كشفت أن الجماعة نفذت خلال شهر واحد فقط 54 هجومًا في بوركينا فاسو، و36 في مالي، و7 في النيجر، إضافة إلى أول هجوم لها شمال نيجيريا. هذا الانتشار الإقليمي الواسع يجعل أزمة مالي جزءًا من تهديد يمتد عبر دول الساحل، خاصة مع ضعف الحكومات وتراجع النفوذ الدولي في المنطقة.
الأهداف الحقيقية خلف تصعيد أزمة مالي
يرى محللون أن الجماعة لا تحاول اقتحام باماكو مباشرة، بل تسعى لخنق العاصمة اقتصاديًا لإشعال غضب شعبي ضد المجلس العسكري بقيادة العقيد عاصمي غويتا. هذا التكتيك قائم على محاصرة الدولة بدل مواجهتها عسكريًا، ما يجعل أزمة مالي أكثر تعقيدًا، لأنها تتجاوز السلاح إلى الاقتصاد والسياسة. ويقول الخبير دانييلي غاروفالو إن الجماعة تقدم نفسها كبديل قادر على إدارة البلاد، بعد أن أثبتت قدرتها على فرض نفوذها، وتأمين مواردها من الإتاوات والتهريب.
تقرير مشروع مكافحة التطرف (CEP) أشار إلى أن مالي قد تكون “أول دولة تخضع فعليًا لحكم جماعة مرتبطة بالقاعدة”، في حال استمر الانهيار الأمني والسياسي. كما تعيش البلاد عزلة دولية بعد طرد فرنسا وتراجع التعاون مع الأمم المتحدة ومنظمة إيكواس، ما يترك المجلس العسكري دون أي دعم خارجي قادر على تغيير موازين القوى.
مستقبل أزمة مالي بين الانهيار والحلول المؤجلة
يعتقد خبراء أن أي حل لأزمة مالي لن يكون سريعًا، خاصة مع اتساع سيطرة الجماعة، وفشل التدخل الروسي، وتراجع الثقة الشعبية في المجلس العسكري. استمرار الأزمة يهدد بتحويل مالي إلى مركز لنفوذ القاعدة في الساحل، مع تأثير مباشر على الدول المجاورة، مثل بوركينا فاسو والنيجر وساحل العاج. وفي حال حدث انقلاب جديد أو سقوط النظام، قد ينهار الأمن الإقليمي بالكامل، ما يجعل أزمة مالي واحدة من أخطر الأزمات في إفريقيا.
ختامًا، تواجه مالي مرحلة حاسمة في تاريخها، مع استمرار تصاعد التهديدات وفشل الجهود العسكرية، فيما تقترب العاصمة من حصار اقتصادي خانق. وإذا لم يتغير المشهد الدولي أو الداخلي قريبًا، ستتجه أزمة مالي نحو مستوى أكثر خطورة، قد يعيد رسم خريطة الأمن في منطقة الساحل الإفريقي بأكملها.

