البشعة في الإسلام: توضيحات أزهرية بعد الفيديو المثير للجدل وحكم شرعي مهم
عاد موضوع البشعة في الإسلام إلى واجهة الجدل في الشارع العربي بعد انتشار فيديو لفتاة تخضع لهذا الطقس الشعبي القديم، والذي يقوم على وضع قطعة حديدية ملتهبة على لسان الشخص للتأكد من صدقه أو كذبه. الفيديو أثار نقاشات واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لما حمله من إيحاءات تتعلق بالشرف والاتهام الأخلاقي، ولما تضمنه من مشاهد اعتبرها كثيرون مهينة وغير إنسانية. ومع تزايد ردود الأفعال، جاء تعليق رسمي من أحد علماء الأزهر لتوضيح الحكم الشرعي لهذا الطقس المتداول تاريخياً في بعض المناطق الريفية والقبلية.
تداول الفيديو بشكل كبير دفع العديد من المستخدمين إلى التساؤل حول مدى توافق البشعة في الإسلام مع أحكام الشريعة، خصوصاً بعد أن ظهرت الفتاة في وضع اعتبره مختصون غير مقبول اجتماعياً ودينياً، وأنه يتضمن تعدياً واضحاً على كرامة الإنسان. وبحسب المزاعم المتوارثة حول البشعة، فإن احتراق اللسان أو ظهور آثار الحرق يدل على الكذب، بينما سلامته تعني الصدق. إلا أن علماء الدين رفضوا هذا المنطق جملة وتفصيلاً باعتباره يعتمد على الاعتقاد بالغيب وإسناد الحكم إلى وسائل غير شرعية.
الفتوى الشرعية حول البشعة في الإسلام
في مداخلة تلفزيونية، أكد الدكتور رمضان عبد الرازق، عضو اللجنة العليا للدعوة الإسلامية بالأزهر الشريف، أن البشعة في الإسلام حرام شرعاً ولا تجوز بأي حال من الأحوال، مشيراً إلى أنها شكل من أشكال التعذيب والإهانة التي تمس كرامة الإنسان بشكل مباشر. وأضاف أن هذا الطقس منافٍ تماماً لمبادئ الدين الإسلامي التي تقوم على الرحمة واحترام آدمية الفرد، وأن الحكم بإدانة أو براءة أي شخص من اختصاص القضاء فقط ولا يجوز أن يُستبدل بطقوس لا تستند إلى دليل علمي أو شرعي.
وقال عبد الرازق إن مثل هذه الممارسات تُحمّل الإنسان ما لا يطيق، وتضعه في موقف مهين قد يترك آثاراً نفسية وجسدية طويلة الأمد. وأوضح أن الاعتقاد بأن نار الحديد يمكن أن تكشف الكذب أو الصدق هو اعتقاد باطل لا أصل له في الإسلام، مؤكداً أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ولا يمكن لأي شخص أو وسيلة غير شرعية أن تحدد مصير أو نوايا البشر.
البشعة في الإسلام بين العرف الشعبي والتحريم الديني
تاريخياً، مارست بعض القبائل العربية البشعة في الإسلام كوسيلة للفصل في النزاعات، خصوصاً في قضايا الشرف والسرقات. ورغم اندثار هذا الطقس في العديد من المجتمعات بفعل التطور القانوني والتشريعي، إلا أن ظهوره مجدداً في عصر التكنولوجيا أثار حيرة المتابعين حول مدى امتداده في المجتمعات المعاصرة. واعتبر مختصون اجتماعيون أن انتشار مثل هذه الطقوس يعكس فجوة بين الوعي الديني والقانوني لدى بعض الفئات، إضافة إلى ضعف الثقة في مؤسسات القضاء الرسمي.
من جهة أخرى، دافع بعض رواد الإنترنت عن الفتاة صاحبة الفيديو، معتبرين أنها أقدمت على ذلك تحت ضغط اجتماعي بهدف إثبات براءتها من تهم تتعلق بالشرف. بينما رأى آخرون أن تصوير الواقعة ونشرها كان بهدف جذب التفاعل الإلكتروني وتحقيق الانتشار، فيما حذر خبراء من تحويل قضايا حساسة كهذه إلى محتوى ترفيهي أو مثير للضجة.
رأي علماء الأزهر ودور القانون
أكد علماء الأزهر أن البشعة في الإسلام تخالف مبادئ المحاكمة العادلة وتعتمد على وسائل غير منطقية في إثبات الجرائم. كما شددوا على أن القرارات القضائية يجب أن تُبنى على الأدلة والشهود والفحص الجنائي المعتمد، وليس على طقوس تعتمد على الحرق أو الاختبار بالنار. ودعوا الجهات المختصة للتحرك لمنع إعادة إحياء مثل هذه الظواهر التي قد تشجع على انتهاك حقوق الإنسان.
ويرى قانونيون أن انتشار الفيديو يجب أن يكون فرصة لتعزيز الوعي القانوني وتعريف المجتمعات بآليات التقاضي الرسمية بعيداً عن الأعراف التي قد تسبب ضرراً نفسياً وجسدياً للأفراد. كما طالبوا بتفعيل حملات توعية تحارب الأفكار الخاطئة المرتبطة بالشرف والعدالة الذاتية.
ختام: أهمية الوعي تجاه البشعة في الإسلام
توضح هذه الواقعة أن الحاجة ملحة لمزيد من التوعية حول البشعة في الإسلام وخطورتها على الفرد والمجتمع، وأن العودة لمثل هذه الطقوس لن تحل الخلافات بل تزيدها تعقيداً. الشريعة الإسلامية وضعت أسساً واضحة لتحقيق العدالة وصون الكرامة البشرية، وأكد علماء الأزهر أن اللجوء لطقوس غير شرعية يتعارض مع المقاصد الدينية. ويبقى من الضروري تعزيز ثقة المجتمع في القضاء، وتشجيع الحوار الواعي في القضايا الأخلاقية بدلاً من الانقياد خلف ممارسات غير إنسانية.
في نهاية المطاف، فإن النقاش الدائر حول البشعة في الإسلام يعكس صراعاً بين الموروث الشعبي والتشريع الديني المعاصر، ويدعو إلى مراجعة المفاهيم الاجتماعية بما يحفظ الكرامة والحقوق بعيداً عن الممارسات التي لا تمت للدين بصلة.

