الجامعة الإسلامية غزة: تقرير صادم حول استئناف التعليم وسط الدمار وتحول الحرم إلى مخيم إيواء
تشهد الجامعة الإسلامية غزة واحدة من أكثر اللحظات التاريخية تعقيدًا منذ تأسيسها، فاليوم لم تعد مجرد صرح علمي، بل أصبحت مخيمًا ضخمًا يؤوي آلاف النازحين الذين لجأوا إليها هربًا من العدوان، وبين خيام ممتدة ومبانٍ متفحمة ودمار شاهق، تعود الدراسة من جديد لتكتب قصة صمود جديدة. في الوقت الذي تحولت فيه الساحات إلى أماكن للغسيل والممرات إلى أسواق صغيرة، أصرّ الطلاب على مواصلة التعليم رغم الألم، في مشهد عميق يعكس إصرار الفلسطيني على الحياة.
مشهد غير مألوف داخل الجامعة الإسلامية غزة
في أروقة الجامعة الإسلامية غزة، تتجاور الخيام مع القاعات الدراسية، وتتداخل ضحكات الأطفال مع صوت الطلاب وهم يستمعون لمحاضراتهم داخل خمس قاعات فقط تم ترميمها مؤخرًا. أُعيد دهان الجدران، ورُتبت المقاعد، وضعت سبورات جديدة، لتكون النواة الأولى لعودة التعليم الوجاهي بعد انقطاع دام عامين كاملين. ورغم تواضع الإمكانات، إلا أن هذه القاعات حملت بصيص أمل أعاد للطلاب الإحساس بالحياة مرة أخرى.
أكثر من 3500 طالب وطالبة يتناوبون على هذه القاعات المحدودة، بينما تستمر بقية العملية التعليمية إلكترونيًا ليستفيد نحو 12 إلى 13 ألف طالب آخر. وفي الوقت ذاته، تبقى مباني الجامعة التي طالها القصف شاهدة على حجم الدمار، حيث تحولت أجزاء واسعة منها إلى أنقاض يعلوها الغبار.
قصص طلابية مؤثرة داخل الجامعة الإسلامية غزة
بسمة.. خطوة نحو الشفاء عبر التعليم
بسمة خالد، طالبة تمريض، جاءت إلى الجامعة الإسلامية غزة من جباليا بعد رحلة استغرقت أكثر من ساعة ونصف، فقدت والدتها وشقيقتها في القصف، لكنها عادت متشبثة بالأمل. تقول بحزن ممزوج بالإصرار: “ربما أنجو من الفراغ القاتل، وربما يعيد العلم ترميم ما تهدّم داخلي”. أرادت والدتها أن تراها ممرضة، فحملت وصيتها في قلبها ودخلت إلى القاعة لأول مرة بعد الفقد.
أحمد.. التمريض بدافع الرحمة
أحمد الجدبة اختار تخصص التمريض أيضًا، لكن سببه مختلف؛ فقد أقنعته الحرب بأن خدمة الجرحى رسالة إنسانية. حين دخل الجامعة الإسلامية غزة لأول مرة، شعر بصدمة أمام حجم الدمار الذي تجاوز الصور والمقاطع التي كان يراها سابقًا، لكن صدمته تحولت إلى دافع للاستمرار عندما جلس أمام المدرس في القاعة الجديدة، واستعاد حلمه الذي علق طويلا بين أصوات الصواريخ.
براء.. حلم الهندسة وسط الركام
من بين الأمل والركام خرج براء العسيلي من قاعة الهندسة بابتسامة كبيرة قائلا: “اليوم بدأت طريقي نحو أن أكون مهندسًا”. يؤكد أن الحرب أوقفت أحلام الشباب في غزة، لكنه يرى في التعليم نافذة واسعة نحو المستقبل. ورغم صعوبات الكهرباء والإنترنت وارتفاع تكاليف الطباعة، إلا أنه مستمر، مستندًا إلى شغفه وطموحه.
إدارة الجامعة الإسلامية غزة تواجه التحديات بقرارات جريئة
رئيس الجامعة الدكتور أسعد أسعد تحدث عن رحلة العودة للتعليم قائلا إن القرار كان يبدو مستحيلًا قبل شهر فقط، لكن الجامعة اختارت المقاومة عبر العلم. تم ترميم أجزاء من مبنى “فلسطين” ومبنى “إرادة”، وتحويلهما إلى مساحات تعليمية جديدة تستوعب كليات الطب والهندسة والتمريض وتكنولوجيا المعلومات والعلوم الصحية والشريعة والقانون وغيرها.
ورغم فقدان 70 موظفًا، بينهم 30 من الكادر التعليمي بسبب الحرب، استعانت الجامعة بأساتذة متقاعدين ومتطوعين لسد النقص، في خطوة تعكس تمسك المجتمع الأكاديمي في غزة برسالته العلمية. وتبقى الأزمة الأكبر هي استمرار وجود النازحين داخل الحرم، مما يعيق توسعة التعليم الوجاهي مستقبلا.
مستقبل التعليم في الجامعة الإسلامية غزة بين الأمل والخطر
قبل الحرب كان عدد طلاب الجامعة الإسلامية غزة 17,500 طالبًا موزعين على 144 برنامجًا، لكن الجامعة اليوم تحاول النهوض من جديد رغم الدمار الذي أصاب 13 مبنى وأتى على بنيتها التحتية بشكل شبه كامل. ومع ذلك، يستمر الطلاب في القدوم من المحافظات الشمالية والجنوبية والوسطى، متحدّين الطرق الطويلة وارتفاع تكاليف المواصلات فقط ليجلسوا من جديد أمام السبورة.
الصورة في الجامعة الإسلامية غزة ليست فقط حكاية دمار، بل هي قصة صمود وعودة إلى الحياة، فبين الخيام والتعليم المتواصل تتشكل تجربة إنسانية استثنائية تثبت أن الإرادة أقوى من الحرب. ومع استمرار العملية التعليمية، تتجدد آمال الطلبة بعودة الحياة الجامعية كاملة، وانتشار المعرفة رغم كل الحصار والدمار.

