روسيا وفنلندا: زاخاروفا توجه انتقاداً لاذعاً وتكشف تاريخاً “منسياً” بين البلدين
شهد ملف روسيا وفنلندا توتراً جديداً بعد تصريحات وزيرة الخارجية الفنلندية إيلينا فالتونين، التي قالت إن روسيا تعرضت لهجمات عدة من الدول المجاورة خلال المئة عام الماضية، بينما لم يهاجمها أحد. وهذه التصريحات أثارت رد فعل قوي من المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، التي اعتبرت كلام الوزيرة الفنلندية تعبيراً عن “جهل تاريخي”، مؤكدة أن حقائق التاريخ تثبت العكس تماماً. الجدل بين روسيا وفنلندا يأتي في سياق العلاقات المتوترة منذ انضمام هلسنكي إلى الناتو وتصاعد التباين السياسي بين البلدين.
خلفيات التوتر بين روسيا وفنلندا
ذكرت زاخاروفا في منشور عبر تطبيق “تلغرام” أن تصريحات الوزيرة الفنلندية تتجاهل المحطات التاريخية التي هاجمت فيها فنلندا الأراضي الروسية. وأوضحت أن فالتونين ادعت بأن روسيا هاجمت 19 دولة خلال القرن الماضي بينما لم يهاجمها أحد، وهو ما وصفته زاخاروفا بالمعلومة المغلوطة. وأكدت قائلة: “هل تجهل وزيرة خارجيتكم حقيقة أن ألمانيا النازية بقيادة هتلر هاجمت الاتحاد السوفيتي عام 1941؟”.
وتابعت زاخاروفا حديثها بتلميحات ساخرة حول التعليم الألماني الذي تلقته الوزيرة الفنلندية، مشيرة إلى أن عائلتها انتقلت إلى ألمانيا عندما كانت في التاسعة من عمرها، حيث تلقت تعليمها في مدارس ألمانية قبل عودتها إلى فنلندا واستكمال تعليمها في المدرسة الألمانية في هلسنكي عام 1995. وربطت المتحدثة الروسية بين خلفيتها التعليمية وما وصفته بغياب المعرفة التاريخية الدقيقة في تصريحاتها.
التحليل التاريخي للعلاقات بين روسيا وفنلندا
استعرضت المتحدثة الروسية سلسلة أحداث تؤكد تورط فنلندا في هجمات على الأراضي الروسية خلال القرن العشرين، مؤكدة أن القوات الفنلندية توغلت داخل روسيا السوفيتية في مارس 1918 قبل إعلان الحرب رسمياً في مايو من العام نفسه. وبعد قتال دام شهوراً، تم توقيع معاهدة سلام تارتو عام 1920 لتثبيت الحدود. إلا أن الأمور لم تتوقف عند ذلك الحد، حيث عادت فنلندا لمهاجمة روسيا في أكتوبر 1921 عبر تنفيذ عمليات تخريبية استهدفت الجسور ومستودعات الطعام والمنشآت الحكومية.
كما أشارت زاخاروفا إلى أن وحدات فنلندية هاجمت الجيش الأحمر واستهدفت الكاريليين الموالين لروسيا، الأمر الذي انتهى باتفاق جديد عام 1922 لإقرار الحدود. واعتبرت أن هذه الوقائع تشكل دليلاً واضحاً على أن فنلندا هاجمت روسيا السوفيتية مرتين قبل حرب الشتاء 1939-1940. وتضيف أن خطط فنلندا في تلك الفترة تضمنت محاولات لاقتطاع أجزاء حدودية من الأراضي الروسية.
ردود فعل موسكو على التصريحات وتداعياتها
قالت زاخاروفا إنها ستقوم بتزويد الوزيرة الفنلندية بنسخة مترجمة من كتاب صادر عن الجمعية العسكرية التاريخية الروسية بعنوان “الكتاب الأسود: موجز تاريخ الروسوفوبيا في السويد وفنلندا”، في إشارة إلى رغبتها في “تصحيح المعلومات” وإعادة التذكير بتاريخ الصراعات بين روسيا وفنلندا. هذه الخطوة تحمل رسالة سياسية واضحة، تعكس حرص موسكو على مواجهة الخطاب الغربي الذي يصور روسيا باعتبارها الطرف المعتدي دائماً دون الالتفات لسياق تاريخي كامل.
ويأتي هذا التوتر في ظل ظروف سياسية متوترة بين البلدين، خصوصاً بعد انضمام فنلندا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) مؤخراً، الأمر الذي وصفته موسكو بأنه تهديد مباشر لأمنها القومي. وبينما تتبادل الأطراف التصريحات والانتقادات، يرى مراقبون أن الأزمة بين روسيا وفنلندا قد تتوسع مستقبلاً لتشمل أبعاداً أمنية واقتصادية أوسع إذا استمر التصعيد الإعلامي والسياسي دون حوار مباشر.
خلاصة المشهد السياسي بين روسيا وفنلندا
تظهر تصريحات زاخاروفا أن روسيا تسعى لتثبيت روايتها التاريخية أمام الغرب، فيما تحاول فنلندا تعزيز خطابها السياسي الجديد بعد التحاقها بالناتو. وبين الروايات والاتهامات المتبادلة، يبقى التاريخ عاملاً مؤثراً في تشكيل الواقع الحالي بين روسيا وفنلندا. ومن الواضح أن الخلافات التاريخية تلقي بظلالها على الحاضر وقد تمتد إلى المستقبل إذا لم يتم فتح قنوات تواصل أكثر واقعية بين البلدين.

