العدالة الانتقالية في سوريا: خطاب الشرع يكشف رؤية جديدة لبناء دولة قوية بعد سقوط النظام
شهدت الساحة السورية لحظة سياسية مفصلية عقب خطاب الرئيس السوري أحمد الشرع الذي تحدث فيه عن ملامح المرحلة المقبلة في البلاد، مؤكداً التزام حكومته بـالعدالة الانتقالية في سوريا باعتبارها الأساس لإعادة بناء الدولة وضمان حقوق المواطنين بعد أعوام طويلة من الصراع. وجاء هذا الخطاب في الذكرى الأولى لسقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، وهي مناسبة وصفها الشرع بلحظة تحرر وانفتاح نحو مستقبل جديد يهدف إلى تأسيس شراكات داخلية وخارجية والتأسيس لمرحلة سياسية واجتماعية جديدة.
وقال الشرع إن الحكومة وضعت رؤية واضحة لسوريا «كدولة قوية تنتمي لماضيها التليد ومستقبلها الواعد»، مشيراً إلى أن المرحلة القادمة تتطلب جهداً جماعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس العدل والإنصاف، وأن العدالة الانتقالية في سوريا ستكون محور العملية السياسية لإغلاق ملفات الماضي وضمان عدم تكرار الانتهاكات. وأضاف أن السوريين فقدوا عاصمتهم التاريخية دمشق «درة الشرق» لأكثر من خمسة عقود، قبل أن تستعاد بجهود الشعب وبإرادة جماعية.
العدالة الانتقالية في سوريا كمسار لإعادة الحقوق
أكد الشرع خلال خطابه أن طي صفحة الاستبداد لا يمكن أن يتحقق دون عدالة راسخة تضمن حقوق الضحايا وتمنع الإفلات من العقاب. وأوضح أن حكومته ستعمل على إنشاء لجان مختصة للتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة كل من تورط في الجرائم ضد المدنيين، مع الحفاظ على حقوق المتضررين وتعويضهم بما يضمن اندماجهم مجدداً في المجتمع. هذا التوجه يعكس تحولا نوعياً في السياسة السورية بعد سقوط النظام السابق الذي اتُهم بزرع الفتنة وتكريس الفساد.
وقال الشرع إن النظام المخلوع عمل لسنوات على تجريف الوعي الشعبي وتهميش المواطن، حتى «باتت الكلمة جريمة والإبداع وصمة عار»، على حد وصفه. وأشار إلى أن السوريين اليوم أمام مسؤولية تاريخية لإعادة بناء دولة المواطنة وإحياء الحياة السياسية، مؤكداً أن العدالة الانتقالية في سوريا ستكون حجر الأساس لإعادة الثقة بين الشعب ومؤسسات الدولة.
إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد حقبة الاستبداد
كشف الرئيس السوري عن خطوات عملية اتخذتها الحكومة لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية ودمج القوى المسلحة المتعددة في جيش موحد قادر على حفظ الأمن والاستقرار. ووصف هذه العملية بأنها تحول حاسم لإعادة هيبة الدولة وضمان مستقبل آمن للأجيال القادمة. وأكد الشرع أن المرحلة الحالية تتطلب «معركة من نوع مختلف» تقوم على العمل والإنتاج وبناء الاقتصاد الوطني.
كما تحدث عن توجهات الحكومة الجديدة نحو المصالحة المجتمعية وتعزيز مبدأ المشاركة السياسية، إلى جانب إطلاق حوارات وطنية تشمل مختلف فئات المجتمع. ويرى مراقبون أن التركيز المتكرر على العدالة الانتقالية في سوريا يعكس رغبة القيادة الجديدة في طمأنة المواطنين وتشجيع عودة النازحين واللاجئين، خاصة مع توسع المعالجات القانونية لاستيعاب آثار الحرب.
العلاقات الخارجية ودورها في دعم العدالة الانتقالية في سوريا
قال الشرع إن سوريا فتحت قنوات دبلوماسية جديدة عقب سقوط النظام السابق، واستقبلت وفوداً عربية ودولية بهدف ترسيخ الشراكات وإعادة تقديم سوريا للعالم بصورة جديدة قائمة على التعاون والسلام. وأوضح أن هذه العلاقات ستسهم في جلب الاستثمارات وتنشيط الاقتصاد ودعم جهود الإعمار، إضافة إلى دعم برامج العدالة الانتقالية في سوريا بما ينسجم مع المعايير الدولية.
وأشار إلى إطلاق مشاريع استراتيجية في مجالات الطاقة والبنية التحتية، والعمل على جذب الشركات العالمية للمشاركة في إعادة الإعمار. ويرى محللون أن هذا التوجه يعزز فرص التعافي الاقتصادي ويخلق بيئة ملائمة لتطبيق العدالة ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات دون الإضرار بالاستقرار الوطني.
تحديات مستقبل العدالة الانتقالية في سوريا
ورغم التفاؤل الذي حمله الخطاب، إلا أن طريق العدالة الانتقالية في سوريا لا يزال طويلاً ويتطلب توافقاً مجتمعياً وسياسياً عريضاً. فمعالجة ملفات المعتقلين وتعويض الأسر المتضررة وإعادة دمج المقاتلين السابقين تمثل تحديات معقدة تحتاج إلى موارد كبيرة وآليات قضائية واضحة. ومع ذلك، يؤكد الشرع أن المرحلة المقبلة ستؤسس لعدالة شاملة تضمن حقوق الجميع دون تمييز.
وبهذه الرسائل، يقدم الرئيس السوري رؤية لمستقبل مختلف، يتخلص من إرث القمع ويركز على المصالحة والنهضة. ويبدو أن العدالة الانتقالية في سوريا ستكون المفصل الرئيسي في هذا التحول التاريخي، إذ تشكل الجسر الذي يعبر به السوريون نحو دولة حديثة قائمة على القانون والحرية والتنمية.
وبينما تسعى الحكومة لتنفيذ هذه البرامج، يبقى السؤال الأهم: هل ينجح السوريون في تجاوز جراح الماضي وترسيخ دولة العدالة؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن طريق الإصلاح قد بدأ، وأن العدالة الانتقالية في سوريا باتت قاعدة لتجديد الدولة وبناء مستقبل لا يشبه الأمس.

