خفض الفائدة: قرار جديد من الفيدرالي الأمريكي رغم التضخم وغياب البيانات يثير مخاوف اقتصادية
يتصدر ملف خفض الفائدة في الولايات المتحدة النقاش الاقتصادي مجدداً، مع استمرار الضغوط التضخمية وضعف نمو الوظائف وغياب البيانات الحكومية الرسمية نتيجة الإغلاق الحكومي. ورغم هذه التحديات، يتوقع محللون أن يقدم مجلس الاحتياطي الفيدرالي على خطوة جديدة لخفض أسعار الفائدة قصيرة الأجل، ما يضع الأسواق أمام قرارات توصف بأنها حاسمة في مسار السياسة النقدية الأمريكية خلال الفترة المقبلة.
أسباب التوجه نحو خفض الفائدة رغم التضخم
تشير التقارير الاقتصادية الأولية إلى أن التضخم لا يزال أعلى من هدف الفيدرالي البالغ 2%، حيث ارتفعت الأسعار بنسبة 3% على أساس سنوي في سبتمبر. ورغم ذلك، تتوقع مؤسسات تحليلية مثل “أوكسفورد إيكونوميكس” أن يقدم الفيدرالي على خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، معتبرة أن المخاطر المرتبطة بضعف سوق العمل أكبر وأكثر إلحاحاً من المخاطر السعرية.
ويعزز هذا الاتجاه ظهور مؤشرات ضعف في القطاع الخاص، أبرزها تقرير شركة “ADP” الذي أظهر فقدان 32 ألف وظيفة خلال سبتمبر، بالإضافة إلى تراجع الثقة الاستهلاكية إلى أدنى مستوياتها منذ عام، ما يعكس حالة قلق متزايدة حول قدرة الاقتصاد الأمريكي على الاستمرار في النمو دون دعم إضافي.
تصريحات جيروم باول ودلالات خفض الفائدة
رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول أكد خلال خطاب ألقاه في مؤتمر “الرابطة الوطنية لاقتصاديات الأعمال” أنه “لا وجود لمسار خالٍ من المخاطر في السياسة النقدية”. وأضاف أن المؤشرات الاقتصادية قبل الإغلاق الحكومي كانت تشير إلى نمو أسرع من المتوقع، لكنه شدد على أن غياب البيانات الرسمية يحتم الاستعانة بمصادر بديلة، رغم كونها أقل دقة من المعايير الحكومية المعتمدة.
وفي سبتمبر الماضي، خفّض الفيدرالي سعر الفائدة الأساسي إلى نطاق يتراوح بين 4% و4.25%، ويُنظر إلى خفض الفائدة كأداة مباشرة لتنشيط الاقتصاد من خلال تقليل تكاليف الاقتراض للأفراد والشركات. وتعتقد ميشيل رانيري، نائبة رئيس “ترانس يونيون”، أن هذا التخفيض قد ينعكس على زيادة النشاط الائتماني وتخفيف الضغوط على المقترضين في المرحلة المقبلة.
التحديات الاقتصادية مع استمرار الإغلاق الحكومي
يواجه صناع القرار صعوبات إضافية بسبب الإغلاق الحكومي الذي تسبب في توقف تقارير رسمية مهمة، وعلى رأسها تقرير الوظائف الشهري لوزارة العمل. كما أدى الإغلاق إلى تأخير رواتب الموظفين الفيدراليين وتعطيل برامج اجتماعية تشمل دعم الأغذية، في حين يتوقع اقتصاديون أن يمتد تأثيره إلى الناتج المحلي الإجمالي وإنتاجية القطاعات الحكومية والخاصة.
ولتعويض نقص البيانات، اعتمد الفيدرالي على مؤشرات بديلة مثل إعانات البطالة وتقارير التوظيف الخاصة بالولايات. إلا أن باول أشار بوضوح إلى أن هذه البيانات ليست دقيقة بما يكفي لاتخاذ قرارات استراتيجية طويلة المدى، ما يجعل خفض الفائدة قراراً يحمل الكثير من المخاطر المحسوبة.
آفاق الاقتصاد الأمريكي بعد خفض الفائدة
يتوقع خبراء مثل جيمس نايتلي في بنك “آي إن جي” استمرار دورة خفض الفائدة حتى نهاية العام، مع تخفيض إضافي في ديسمبر و50 نقطة أساس في أوائل 2026. ويرى نايتلي أن أكبر تهديد يواجه الفيدرالي حالياً هو تفاقم الضعف في سوق العمل، والذي قد يدفع الشركات الكبرى إلى تسريع عمليات تسريح الموظفين، مثل إعلان شركة “أمازون” عن خفض 14 ألف وظيفة مكتبية هذا العام.
من ناحية أخرى، ساهمت السياسات الجمركية التي يتبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خلق تقلبات واضحة في الأسواق، خاصة مع ارتفاع الرسوم على بعض الواردات. ومع ذلك، ساعد انخفاض معدلات الرهن العقاري على دعم سوق الإسكان وتخفيف الضغوط على مشتري المنازل.
هل ينجح خفض الفائدة في إنقاذ النمو الاقتصادي؟
الهدف الأساسي من خفض الفائدة هو تسهيل الاقتراض وضخ مزيد من السيولة في الاقتصاد لتجنب انكماش حاد في ظل الظروف المعقدة الحالية. ومع انخفاض الثقة الاستهلاكية وتراجع توقعات الشركات، يتزايد اعتماد الاقتصاد الأمريكي على السياسة النقدية في الحفاظ على الاستقرار.
ورغم المخاطر، يرجح خبراء أن استمرار خفض الفائدة سيمنح الاقتصاد فرصة لأخذ دفعة مؤقتة، خاصة إذا استمر الإغلاق الحكومي لفترة أطول. لكن في المقابل، قد يؤدي الإفراط في التيسير النقدي إلى ارتفاع التضخم مستقبلاً، ما يعزز صعوبة تحقيق توازن بين دعم النمو والحفاظ على استقرار الأسعار.
ومع انتهاء الاجتماع المرتقب للفيدرالي، ستبقى التوقعات معلقة على نتائج القرار وتأثيره على الأسواق العالمية والمحلية، ما يجعل خفض الفائدة واحداً من أهم الملفات الاقتصادية المطروحة اليوم.

