خطة السلام الأمريكية: توتر خطير حول القوة الدولية في غزة يهدّد الاستقرار السياسي
تواجه خطة السلام الأمريكية الخاصة بقطاع غزة تحديات متصاعدة، وفق ما كشفته صحيفة “وول ستريت جورنال” في تقرير جديد أثار جدلاً واسعاً حول مستقبل الترتيبات الأمنية والسياسية في القطاع. فبينما تعتمد الإدارة الأمريكية على تشكيل قوة دولية تساهم في تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة بناء المؤسسات، تشهد الساحة السياسية خلافات حادة حول مهام هذه القوة وشكلها وطبيعة تفويضها، ما يجعل مستقبل الاتفاق برمته مهدداً بالتعثر في مراحله الأولى.
خطة السلام الأمريكية تواجه أزمة ثقة
تشير التقارير إلى أن مسؤولين أمريكيين وأوروبيين وشرق أوسطيين حذروا من أن خطة السلام الأمريكية قد تنهار قبل أن تبدأ فعلياً. فالتحدي الأبرز يتمثل في الخلاف بشأن تشكيل قوة أمنية دولية تتولى إدارة القطاع بعد الحرب. هذه القوة من المفترض أن تعمل على منع تجدد القتال، وتسهيل إعادة الإعمار، وإعادة النشاط السياسي والاقتصادي، إلا أن عدة أطراف إقليمية ودولية ترى أن التفويض المقترح غير واضح ومعقد سياسياً وأمنياً.
ورغم التأكيد الأمريكي على أن الهدف هو تجنب صدامات جديدة داخل غزة، إلا أن عدة أطراف تخشى أن يؤدي نشر قوة دولية إلى خلق حساسيات سياسية مع الفصائل المسلحة، خصوصاً أن وجود قوة متعددة الجنسيات في منطقة حساسة مثل غزة قد يفسَّر كإعادة إنتاج لسيطرة خارجية على القطاع.
مخاوف من تصاعد نفوذ حماس رغم خطة السلام الأمريكية
تحدٍ آخر يهدد خطة السلام الأمريكية يتمثل في موقف حركة حماس. فبحسب الصحيفة، تصر الحركة على دور أساسي في المرحلة القادمة، خصوصاً أنها لا تزال تمتلك قدرات عسكرية ونفوذاً شعبياً في مناطق متفرقة من غزة. وتشير التقارير إلى أن مقاتلي الحركة عادوا للظهور العلني في بعض المناطق، بل ونفذوا عمليات إعدام ميدانية في محاولة لفرض السيطرة الأمنية، الأمر الذي يزيد من صعوبة إدخال قوة دولية دون مواجهة مباشرة.
هذا الواقع يثير قلقاً عربياً وإسلامياً من أن أي قوة لن يُنظر إليها كجهة محايدة، بل كقوة تابعة لإسرائيل أو داعمة لمصالحها، مما قد يتسبب في رفض شعبي واسع داخل القطاع. ويتخوف خبراء أمنيون من أن دخول قوة دولية في بيئة متوترة قد يشعل صدامات جديدة بدل أن يطفئها.
تعقيدات سياسية وقانونية داخل خطة السلام الأمريكية
الخبير في شؤون الأمم المتحدة، ريتشارد غوان، قال للصحيفة إن تطبيق خطة السلام الأمريكية يتطلب قوة مهام قادرة على استخدام القوة عند الضرورة، وهو شرط يجعل مهمة تشكيلها معقدة جداً. فالدول المشاركة تحتاج إلى ضمانات قانونية، وتفويض واضح، وقدرة عملياتية للتعامل مع جماعات مسلحة قد ترفض وجودها. هذه المعايير تجعل العملية مليئة بالعقبات قبل حتى وصولها إلى مجلس الأمن الدولي.
في السياق نفسه، وصل رئيس هيئة الأركان المشتركة لسلاح الجو الأمريكي إلى إسرائيل قبل أيام لإجراء مشاورات أمنية وزيارة مركز تنسيق مدني–عسكري جديد في جنوب إسرائيل، وهو المركز المسؤول عن مراقبة تنفيذ خطة السلام على الأرض. هذا التحرك يكشف مدى حساسية الملف، خصوصاً أن الجيش الأمريكي يعمل على تقييم خيارات القوة الدولية أمنياً وعملياً.
صعوبات التنفيذ ومستقبل خطة السلام الأمريكية
تعمل الإدارة الأمريكية على تحديد هيكل القوة الدولية وصلاحياتها القانونية قبل تقديمها رسمياً إلى مجلس الأمن. غير أنها تؤكد أن النقاش لا يزال مستمراً، وأن الوقت مبكر للكشف عن تفاصيل نهائية. مصادر دبلوماسية أشارت إلى أن بعض الدول الأوروبية أبدت تحفظات بشأن المشاركة في قوة قد تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع فصائل مسلحة، خصوصاً في ظل تجربة قوات دولية سابقة في مناطق نزاع مشابهة.
وفي الوقت ذاته، تخشى إسرائيل من أن تضع أي ترتيبات جديدة قيوداً على عملياتها في غزة، بينما تخشى فصائل فلسطينية من أن تُستخدم القوة الدولية كغطاء سياسي لإعادة السيطرة الإسرائيلية. هذا التناقض يزيد من حالة الضبابية حول مصير خطة السلام الأمريكية.
اختبار الخطة الحقيقي سيكون في قدرتها على جمع توافق دولي وإقليمي، وإقناع الفلسطينيين والإسرائيليين بقبول صيغة تفاهم مشتركة، وهو ما يبدو حتى اللحظة مهمة شديدة التعقيد. ومع ذلك، ترى واشنطن أن البديل سيكون المزيد من الفوضى داخل غزة، ما يجعل استمرار العمل على الخطة ضرورة أمنية وسياسية.
خلاصة حول مستقبل خطة السلام الأمريكية
في ضوء هذه التطورات، تبدو خطة السلام الأمريكية في مرحلة حساسة تتطلب توافقاً دولياً واسعاً وقدرة على إدارة التحديات الأمنية والسياسية داخل غزة. الخلاف حول القوة الدولية، ورفض حماس التخلي عن نفوذها، والقلق من صدامات جديدة، جميعها عوامل تهدد استقرار الاتفاق قبل دخوله حيّز التنفيذ. إلا أن استمرار المساعي الأمريكية يشير إلى قناعة بأن الحل السياسي لا يزال الخيار الوحيد القادر على منع تدهور الأوضاع في غزة.
وبذلك، تبقى خطة السلام الأمريكية محوراً أساسياً في الجهود الدولية لإعادة بناء غزة وتثبيت وقف إطلاق النار، رغم العوائق الصعبة التي تهددها في الوقت الحالي.

