ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا: تصريحات جديدة تكشف تفاصيل مهمة وتأخير مقلق
عاد ملف ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا إلى الواجهة مرة أخرى بعد تصريحات مهمة لوزير الدفاع اللبناني ميشال منسى، الذي أكد وجود تقدم سياسي ودبلوماسي بين البلدين، رغم أن الجانب السوري غير مستعد حتى الآن للدخول في مرحلة التنفيذ العملي للترسيم. ويُعتبر ترسيم الحدود من أكثر الملفات تعقيداً في العلاقات اللبنانية السورية، لما يحمله من أبعاد جغرافية وأمنية وسياسية. وتشير التصريحات الأخيرة إلى أن العمل جارٍ على مراحل متدرجة تبدأ بتوقيع اتفاق قضائي، على أن تتبعه خطوات لاحقة نحو الترسيم الكامل.
أجواء إيجابية وخطوات أولية نحو ترسيم الحدود
بحسب الوزير منسى، تشهد العلاقة بين بيروت ودمشق تقدماً محسوباً، حيث تسير الحكومتان نحو توقيع اتفاق قضائي مشترك، وهو ما اعتبره خطوة أساسية على طريق ترسيم الحدود. هذه الخطوة وصفها الوزير بأنها تمثل أساساً مهماً للعلاقات الثنائية، وتمهيداً لتفاهمات أكبر في المرحلة المقبلة. ويأتي التحرك الجديد بعد سنوات طويلة من الجمود، الأمر الذي يعكس رغبة سياسية لدى الجانبين في معالجة الملفات المعلقة.
ورغم هذه الإيجابية، شدد منسى على أن الجانب السوري «غير مستعد بعد» للدخول في المرحلة العملية من ترسيم الحدود، بما يعني أن الملف سيحتاج إلى وقت إضافي وجهود دبلوماسية مكثفة. ويُفهم من هذا التصريح أن دمشق تفضل استكمال ترتيبات سياسية وأمنية قبل الانتقال إلى التنفيذ الرسمي.
ترسيم الحدود وجهود دبلوماسية لرفع مستوى التواصل
كشف وزير الدفاع عن جهود نشطة لتعزيز قنوات التواصل بين البلدين، مؤكداً السعي إلى عقد لقاءات مباشرة بين وزراء الدولتين خلال الفترة المقبلة. ويرى مراقبون أن اللقاءات الوزارية المباشرة تُعد خطوة جوهرية في أي عملية تفاوضية تتعلق بملف حساس مثل ترسيم الحدود، لأنها تساعد في تجاوز العقبات الفنية والسياسية التي أعاقت الملف طوال العقود الماضية.
كما أعلن الوزير عن اتفاق مع دمشق يهدف إلى تفادي أي إشكالات ميدانية عبر إنشاء غرفة عمليات مشتركة مرتبطة بمكتب التنسيق العسكري. هذه الخطوة جاءت كرد على التوترات التي تشهدها المناطق الحدودية بين الحين والآخر نتيجة تهريب السلع والوقود والأسلحة، إضافة إلى انتشار المعابر غير الرسمية ووجود تنظيمات محلية مسلحة.
أسباب تعقيد ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا
ملف ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا ليس مجرد مسار إداري أو فني، بل يرتبط بتاريخ طويل من التعقيدات. فالحدود الحالية رسمت خلال الانتداب الفرنسي في عشرينيات القرن الماضي، اعتماداً على خرائط عثمانية قديمة، ما جعلها إدارية وليست سياسية ودولية واضحة. هذه الطريقة في التقسيم أدت إلى وجود مناطق وقرى متداخلة ترتبط جغرافياً واجتماعياً مع الطرفين في الوقت ذاته.
تداخل جغرافي وديموغرافي يعقّد ترسيم الحدود
يوجد ما يقرب من 14 قرية مشتركة بين البلدين، يسكنها مواطنون يتنقلون يومياً بين لبنان وسوريا دون وجود نقاط ضبط واضحة. هذا التداخل الديموغرافي يجعل أي محاولة لإعادة رسم الحدود تؤثر بشكل مباشر على حياة السكان، ويفرض نقاشات حول الملكيات والهوية والانتماء الإداري.
تهريب وظروف أمنية معقدة
الحدود غير المرسّمة تحولت خلال سنوات الحرب السورية إلى ساحة مفتوحة للتهريب بمختلف أنواعه، بدءاً من السلع الأساسية وصولاً إلى الأسلحة. وتشير تقارير أمنية إلى نشاط شبكات منظمة تعمل في المناطق الجبلية والوعرة، ما يزيد الضغط على الجيش اللبناني والجيش السوري في ضبط الحدود. كما أن وجود جماعات مسلحة وعشائر محلية يزيد من الحساسية الأمنية.
غياب الإرادة السياسية في السابق
رغم محاولات متعددة في أعوام 1964 و2005 و2008، لم تُحرز تقدمات حقيقية في ملف ترسيم الحدود. أسباب الإخفاقات تعود إلى توترات سياسية بين البلدين، إضافة إلى غياب الوفود اللبنانية في بعض الاجتماعات، ما أدى إلى تعطيل مسار المفاوضات أكثر من مرة.
خلاصة المشهد: ترسيم الحدود يحتاج إلى وقت وإرادة
المشهد الحالي يشير إلى وجود إرادة سياسية لتحريك ملف ترسيم الحدود، لكن التنفيذ يبقى مؤجلاً بانتظار استعداد الجانب السوري وإزالة العقبات الفنية والأمنية. ومع وجود فرق عمل مشتركة واتفاقات قضائية وغرفة عمليات موحدة، تبدو المرحلة المقبلة أكثر تنظيماً من السنوات الماضية.
وفي المحصلة، يبقى ترسيم الحدود ملفاً حاسماً لمستقبل العلاقات اللبنانية السورية، ولضبط الأمن، ولحماية المناطق الحدودية من التهريب والفوضى. وبين طموحات سياسية ورهانات دبلوماسية، يبدو أن الطريق طويل لكنه بدأ فعلياً بخطوات محسوبة.

