إضراب جوهر بن مبارك: تطور خطير ونقله إلى المستشفى وسط تصاعد أزمة المعتقلين السياسيين
يمثل ملف المعتقلين السياسيين في تونس أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا خلال المرحلة الراهنة، لا سيما بعد التطور الخطير الذي شهده إضراب القيادي المعارض جوهر بن مبارك عن الطعام. فقد أكدت هيئة الدفاع عن المعتقلين السياسيين أن بن مبارك، المضرب منذ 19 يومًا، قد تم نقله بشكل مستعجل إلى المستشفى الجامعي الطاهر المعموري في ولاية نابل بعد تدهور حالته الصحية بشكل مقلق. ويأتي هذا التطور ليعيد ملف المعتقلين السياسيين إلى واجهة الجدل في البلاد، وسط تبادل للاتهامات بين الحكومة والمعارضة بشأن حقيقة ما يجري داخل السجون التونسية.
تدهور صحي حاد يفاقم أزمة المعتقلين السياسيين
أكدت المحامية دليلة بن مبارك، شقيقة جوهر وعضو هيئة الدفاع عن المعتقلين السياسيين، أن السلطات قامت بنقله صباح الأحد إلى المستشفى بعد انهيار وضعه الصحي نتيجة الإضراب المفتوح الذي بدأه في 29 أكتوبر الماضي. ويأتي إضراب بن مبارك احتجاجًا على اعتقاله ومحاكمته في قضية “التآمر على أمن الدولة”، والتي صدر فيها حكم ابتدائي بسجنه لمدة 18 سنة. وأوضحت المحامية أنه تم إيواؤه في قسم الأمراض الباطنية دون السماح لها برؤيته أو الاطلاع على وضعه الطبي، وهو ما زاد من الغموض والتوتر المحيط بالقضية.
وتشير مصادر قانونية إلى أن الوضع الصحي لبن مبارك قد تدهور بشكل متسارع خلال الأيام الأخيرة، خصوصًا بعد تقارير تحدثت عن تعرضه لـ”اعتداء بالعنف الشديد” داخل محبسه عقب رفضه وقف الإضراب. وتنفي السلطات الرسمية هذه الروايات، بينما تؤكد هيئة الدفاع أن ما يجري يعكس ضغوطًا على المعتقلين السياسيين لدفعهم إلى إنهاء تحركاتهم الاحتجاجية.
الجدل السياسي يتصاعد حول قضية المعتقلين السياسيين
يمتد تأثير قضية المعتقلين السياسيين إلى المشهد السياسي الأوسع، حيث تتباين روايات الحكومة والمعارضة حول طبيعة التهم وظروف الاحتجاز. فقد نفت وزيرة العدل ليلى جفال خلال جلسة برلمانية وجود أي إضراب مفتوح داخل السجون، أو تعرض سجناء سياسيين لاعتداءات. كما أكدت أن جميع الموقوفين يخضعون لمحاكمات جنائية عادلة وفقا للقانون.
في المقابل، تؤكد المعارضة ومنظمات حقوقية أن القضية ذات “طابع سياسي” وأن التهم الموجهة للموقوفين تُستخدم لتصفية الخصوم السياسيين. وتشمل القضية مجموعة من أبرز الشخصيات السياسية، من بينها رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، والسياسي عبد الحميد الجلاصي، وأمين عام الحزب الجمهوري عصام الشابي، ورئيس الديوان الرئاسي الأسبق رضا بلحاج. وسبق لجميع هؤلاء أن أعلنوا دخولهم في إضرابات عن الطعام احتجاجًا على ظروف الاعتقال.
تفاصيل قضية “التآمر على أمن الدولة” وتداعياتها
تعود قضية “التآمر على أمن الدولة” إلى فبراير 2023 عندما قامت السلطات التونسية باعتقال شخصيات سياسية ومحامين وناشطين بتهم وصفها البعض بأنها خطيرة، مثل محاولة المساس بالنظام العام وتقويض أمن الدولة والتخابر مع جهات أجنبية. وفي أبريل 2025، أصدرت المحكمة الابتدائية أحكامًا بالسجن تراوحت بين 4 و66 سنة بحق 37 متهمًا، بينهم 22 حضوريا و15 غيابيا.
ويشكل هذا الملف نقطة توتر متواصلة بين مؤسسات الدولة والمعارضة، ويثير استياءً دوليًا من قبل منظمات حقوق الإنسان التي دعت مرارًا إلى مراجعة ظروف الاعتقال وضمان حق الدفاع والمحاكمات العادلة. ومع دخول جوهر بن مبارك في مرحلة صحية حرجة، يتوقع أن تشهد أزمة المعتقلين السياسيين مزيدًا من التصعيد الإعلامي والحقوقي.
الانعكاسات المستقبلية لقضية المعتقلين السياسيين
يبدو أن التطورات المتعلقة بإضراب بن مبارك قد تُعيد النقاش حول واقع الحريات في تونس، خصوصًا في ظل الاتهامات المتبادلة بين الحكومة والمعارضة. وقد يؤدي استمرار تدهور الوضع الصحي لبن مبارك إلى ضغوط داخلية وخارجية أكبر على السلطات، سواء من قبل منظمات المجتمع المدني أو من قبل شركاء تونس الدوليين.
وتظل أزمة المعتقلين السياسيين علامة فارقة في المرحلة السياسية الراهنة، مع استمرار المخاوف من دخول الملف في مرحلة أكثر تعقيدًا. ومن المتوقع أن يستمر الجدل حول هذه القضية ما دامت الروايات الرسمية والمعارضة متضاربة، وما دام المعتقلون يواصلون تحركاتهم الاحتجاجية داخل السجون.
وفي ظل هذا المشهد المتشابك، يظل إضراب جوهر بن مبارك وما ترتب عنه من تدهور صحي خطير مؤشرًا على عمق الأزمة المرتبطة بملف المعتقلين السياسيين، وعلى استمرار التوتر بين السلطة والمعارضة في تونس.

