اللامركزية في الشرق الأوسط: تصريحات باراك تكشف فشل التجارب والدعوة لنقاش طويل
أعاد ملف اللامركزية في الشرق الأوسط إلى الواجهة من جديد بعد تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس باراك، الذي أكد خلال مشاركته في النسخة الـ23 من منتدى الدوحة 2025 أن تجارب اللامركزية في دول المنطقة لم تحقق النتائج المرجوة منها، مشيراً إلى أن هذا النموذج يحتاج إلى سنوات من النقاش العميق قبل الوصول إلى رؤية سياسية واضحة وقابلة للتطبيق. وجاءت تصريحات باراك في ظل ازدياد الجدل الإقليمي حول مستقبل الحكم في سوريا والعراق وبلدان أخرى تشهد تحديات سياسية وإدارية واسعة.
تحليل فشل اللامركزية في الشرق الأوسط
أوضح باراك أن النموذج اللامركزي، الذي طُرح كحل لإنهاء النزاعات وتعزيز المشاركة السياسية، لم ينجح في الشرق الأوسط بأي شكل واضح. وأشار إلى أن تجارب عالمية مشابهة أدت إلى تعقيدات سياسية وإدارية، ما يجعل خيار اللامركزية بحاجة إلى دراسة أعمق قبل اعتماده كنظام حكم دائم في المنطقة. وبحسب باراك، فإن اللامركزية في العراق كانت مثالاً صارخاً على التعقيد، ورغم مرور سنوات طويلة على التجربة وما صاحبها من خسائر بشرية واقتصادية تجاوزت ثلاثة تريليونات دولار، لا تزال البلاد تواجه تحديات governance حقيقية.
وفي سياق الفشل التدريجي للامركزية، أشار باراك إلى نموذج البلقان الذي انتهى بتقسيم المنطقة إلى سبع دول، ما أدى إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار لعقود. ويعتقد مراقبون أن هذه التجارب تدفع صناع القرار لإعادة النظر في طرح اللامركزية كحل وحيد للأزمات السياسية في الشرق الأوسط.
اللامركزية ومستقبل سوريا السياسي
في الملف السوري، شدد باراك على أن اللامركزية في الشرق الأوسط وسوريا تحديداً لم تتبلور بعد بشكل واضح، وأن نموذج الحكم الأمثل يجب أن ينبع من إرادة السوريين أنفسهم، دون فرض أي شكل من الخارج. وأكد أن النقاش حول مستقبل سوريا يجب أن يراعي التنوع السكاني والمناطقي والثقافي، مع الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها.
وتعكس هذه التصريحات موقفاً أميركياً يدعو إلى حلول تدريجية لا تعتمد فقط على نموذج اللامركزية، بل على توافقات داخلية تشمل الأطراف كافة. ورغم الاختلافات السياسية والتقسيمات القائمة، يرى محللون أن الوصول إلى صيغة حكم ناجحة في سوريا يحتاج إلى إطار سياسي متوازن يضمن حقوق جميع المكونات.
هل اللامركزية خيار قابل للتطبيق مستقبلاً؟
يثير الجدل حول اللامركزية في الشرق الأوسط تساؤلات حول مدى قابلية هذا النموذج للتطبيق على المدى الطويل. بعض الخبراء يرون أن اللامركزية قد تكون حلاً لتخفيف النزاعات وتحسين توزيع السلطة، شرط أن تُطبق ضمن إطار دستوري وإداري مدروس، بينما يرى آخرون أنها قد تزيد الانقسامات وتعمق الأزمات إذا طُرحت قبل معالجة جذور الخلاف السياسي والأمني.
ويتوقع مراقبون أن تستمر النقاشات حول هذا الخيار لسنوات كما ذكر باراك، خصوصاً أن الدول التي تبنت اللامركزية لم تصل بعد إلى نتائج مستقرة، ما يجعل الملف مفتوحاً أمام دراسات طويلة وتجارب جديدة قد تظهر في المستقبل.
خلاصة حول اللامركزية في الشرق الأوسط
ختاماً، تبدو تصريحات باراك حول اللامركزية في الشرق الأوسط رسالة واضحة بأن المنطقة أمامها طريق طويل قبل الوصول إلى نموذج حكم يتوافق عليه الجميع. وبين تجارب عالمية فاشلة وأخرى غير مستقرة عربياً، تبقى اللامركزية خياراً مطروحاً لكنه غير محسوم، ما يستدعي نقاشاً سياسياً ومجتمعياً واسعاً للوصول إلى رؤية مستقبلية أكثر وضوحاً وعدلاً.

