قسد تؤجل زيارة قائدها إلى دمشق: تفاصيل مهمة تكشف تعقيدات المشهد السوري
أعلنت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تأجيل زيارة قائدها العام مظلوم عبدي إلى دمشق، في خطوة تحمل دلالات سياسية مهمة تعكس تعقيدات المشهد السوري وتباين المواقف بين الأطراف المعنية. ويأتي هذا الإعلان في وقت حساس تشهده البلاد، مع استمرار الجدل حول مستقبل التفاهمات السياسية والأمنية بين قسد والحكومة السورية.
وأوضح المركز الإعلامي لـقسد أن الزيارة التي كانت مقررة إلى دمشق تأجلت لأسباب تقنية ولوجستية، مؤكداً أن التأجيل لا يعني توقف قنوات التواصل، بل يندرج ضمن ترتيبات فنية سيتم تجاوزها لاحقاً. ورغم الطابع التقني المعلن، يثير هذا التطور تساؤلات حول عمق الخلافات القائمة وإمكانية تجاوزها في المرحلة المقبلة.
قسد وأسباب تأجيل الزيارة إلى دمشق
بحسب البيان الرسمي، كان من المقرر أن يزور مظلوم عبدي دمشق برفقة وفد التفاوض الخاص بشمال وشرق سوريا، إلا أن قسد أعلنت تأجيل الزيارة لأسباب تقنية دون الخوض في تفاصيل إضافية. هذا الغموض فتح الباب أمام تفسيرات متعددة حول طبيعة هذه الأسباب ومدى ارتباطها بالسياق السياسي القائم.
وأكدت قسد أن موعداً جديداً سيتم تحديده لاحقاً بالتوافق بين الأطراف المعنية، مشددة على أن التأجيل لا يعكس أي تغيير في الأهداف أو في مسار الحوار. ومع ذلك، يرى مراقبون أن تكرار الحديث عن أسباب تقنية قد يخفي خلفه تعقيدات أعمق تتعلق بملفات شائكة لم يتم التوصل إلى توافق بشأنها بعد.
قسد والاتفاق الموقع مع الحكومة السورية
يعود الخلاف الحالي إلى الاتفاق الذي وُقع في العاشر من مارس الماضي بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، والذي نص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية قبل نهاية العام. ورغم أهمية هذا الاتفاق، إلا أن تطبيقه واجه عقبات كبيرة بسبب تباين وجهات النظر بين الطرفين.
قسد من جهتها تؤكد التزامها بالاتفاق من حيث المبدأ، لكنها تطالب بضمانات واضحة تتعلق بإدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها، في حين تصر دمشق على تنفيذ كامل بنود الاتفاق دون شروط إضافية. هذا التباين جعل الاتفاق أقرب إلى إطار نظري لم يتحول بعد إلى خطوات عملية ملموسة.
قسد وبناء الإدارة الذاتية خلال السنوات الماضية
على مدى أكثر من عشر سنوات، عملت قسد على بناء إدارة ذاتية متكاملة في مناطق شمال وشرق سوريا، شملت مؤسسات عسكرية وأمنية واقتصادية وخدمية. واستطاعت هذه الإدارة فرض واقع جديد بعد طرد تنظيم الدولة الإسلامية من مساحات واسعة تضم أهم حقول النفط والغاز في البلاد.
هذا الواقع عزز من نفوذ قسد، لكنه في الوقت ذاته عمّق الخلاف مع الحكومة السورية التي ترى في هذه الإدارة كياناً موازياً يجب دمجه بالكامل ضمن مؤسسات الدولة. ومن هنا، تبرز صعوبة الوصول إلى صيغة ترضي الطرفين في ظل تضارب المصالح والحسابات الإقليمية والدولية.
قسد وموقف دمشق من الاتصالات الجارية
في المقابل، نفت الحكومة السورية صحة الأنباء المتداولة حول التوصل إلى اتفاق جديد مع قسد أو وجود تقدم ملموس في الاتصالات. وأكد معاون وزير الإعلام السوري عبادة كوجان أن التواصل مع قسد متوقف حالياً، محذراً وسائل الإعلام من نشر معلومات وصفها بغير الدقيقة والمضللة.
وأشار كوجان إلى أن ما يتم تداوله بشأن أعداد مقاتلي قسد أو قرب التوصل إلى تسوية سياسية يفتقر إلى الموضوعية، مؤكداً أن دمشق لا تزال تنتظر تعاوناً حقيقياً لتنفيذ الاتفاق الموقع في مارس، والذي بات على وشك الانتهاء دون تحقيق انفراج فعلي.
مستقبل الحوار بين قسد ودمشق
يثير تأجيل زيارة مظلوم عبدي إلى دمشق تساؤلات حول مستقبل الحوار بين قسد والحكومة السورية، خاصة في ظل الضغوط الإقليمية والدولية التي تحيط بالملف السوري. فغياب الثقة المتبادلة واستمرار الخلافات الجوهرية يجعلان أي تقدم محتمل محفوفاً بالمخاطر.
ورغم ذلك، يبقى خيار الحوار قائماً كونه المسار الوحيد القادر على تجنب مزيد من التصعيد. وتدرك قسد ودمشق على حد سواء أن استمرار الجمود قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً، ما يجعل استئناف التواصل أمراً حتمياً، وإن بدا مؤجلاً في الوقت الراهن.
في ظل هذه المعطيات، يظل تأجيل الزيارة مؤشراً على مرحلة دقيقة تمر بها العلاقة بين قسد ودمشق، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية والأمنية مع حسابات النفوذ والسيادة، في مشهد يعكس عمق الأزمة السورية وتعقيد مسارات الحل.

