السودان: تقرير صادم من بي بي سي يكشف كيف بنى حمدتي إمبراطورية من الذهب والدم
يعود السودان إلى واجهة المشهد الدولي مع تفاصيل جديدة كشفتها شبكة “بي بي سي” حول صعود محمد حمدان دقلو، المعروف باسم “حمدتي”، الرجل الذي تحول من تاجر بسيط إلى أحد أقوى الفاعلين العسكريين في البلاد. وفق التقرير، تحولت رحلة حمدتي من تجارة الجمال والذهب إلى بناء إمبراطورية تستند على الفوضى والعنف ونهب الموارد، وهو ما أثار موجة غضب واسعة داخل السودان وخارجه. هذا التحقيق يسلّط الضوء على أخطر محطات صعوده، وعلى كيفية تحوّل السودان إلى ساحة تتحكم فيها ميليشيات متوحشة تمتلك ثروات وموارد هائلة.
حمدتي في قلب صراع السودان
يشير التقرير إلى أن جذور حمدتي خرجت من عمق القبائل البدوية في دارفور، حيث تشكلت شبكات تجارة عبر الصحراء تعتمد على التهريب والبيع خارج القانون. وبحسب “بي بي سي”، لم يكن الرجل جزءًا من النخب السياسية في السودان، بل جاء من مسار مختلف كليًا، ليتحوّل لاحقًا إلى قائد ميليشيا، ثم إلى زعيم قوات الدعم السريع، القوة التي تفرض نفوذها على مساحات شاسعة من السودان.
ويؤكد التقرير أن حمدتي لم يندمج في مؤسسات الدولة وفق القواعد التقليدية، بل تعامل مع السودان وكأنه مشروع مفتوح للاستثمار في الموارد والثروات. ومع غياب القانون وانتشار الميليشيات، أصبحت علاقته بالأرض وبالناس قائمة على القوة والمال، وهو ما جعل تأثيره في السودان خطيرًا وغير مسبوق.
إمبراطورية الذهب في السودان
من أخطر ما كشفته “بي بي سي” هو أن جزءًا كبيرًا من ثروة حمدتي جاء من السيطرة على مناجم الذهب في السودان. ومع مرور السنوات، تحولت قواته من ميليشيا مسلحة إلى مؤسسة اقتصادية تملك مناجم وشركات وطرق توزيع، وتتحكم في تجارة الذهب داخل السودان وخارجه. وأشارت الوثائق إلى أن الأرباح لم تذهب لخزينة الدولة، بل تحولت إلى ثروة عائلية تدار عبر شركات واجهة في الداخل والخارج.
في ظل هذا الواقع، لم تعد سيطرة الميليشيا مجرد نفوذ عسكري، بل أصبحت منظومة تجارة كاملة تستفيد من كل شيء: حقول ذهب، طرق تهريب، علاقات إقليمية، ودعم مالي ضخم. السودان، الذي يمتلك واحدًا من أكبر احتياطيات الذهب في إفريقيا، وجد نفسه أمام اقتصاد سري موازٍ لاقتصاد الدولة.
جرائم وانتهاكات تهز السودان
وثّقت منظمات دولية تقارير خطيرة تحدثت عن جرائم تطهير عرقي، وعمليات قتل واغتصاب وحرق قرى تمت على يد قوات الدعم السريع. بعض هذه الجرائم، وفق التحقيق، قد ترتقي إلى مستوى جرائم حرب أو إبادة جماعية. وأشارت مصادر حقوقية إلى أن السودان اليوم يعيش حالة رعب حقيقية، حيث تُدار المدن بالقوة، وتُنهب المستشفيات والجامعات والمحال التجارية، ثم تُباع المسروقات في أسواق مرتبطة بعائلات وأفراد محسوبين على الميليشيا.
وفي مشهد أكثر خطورة، تحولت الأجهزة الأمنية في السودان إلى أدوات اقتصادية تخدم مصالح ضيقة، بينما يعيش المواطنون حالة انهيار شامل في الخدمات والحياة اليومية. ومع غياب الدولة، أصبحت الميليشيات هي الحاكم، والاقتصاد الرسمي بلا سلطة أو قدرة على المواجهة.
السودان أمام مفترق طرق
يرى خبراء أن مستقبل السودان بات مهددًا إذا استمرت الدولة في التفكك بهذا الشكل. فالمواجهة لم تعد سياسية فقط، بل أصبحت معركة من أجل بقاء الدولة ومنع سيطرة اقتصاد الميليشيات على ما تبقى من الوطن. ويعتقد محللون أن توحيد الجهود السياسية والمدنية أصبح الخيار الوحيد لإنقاذ السودان من الانهيار الكامل.
ويؤكد التقرير أن السودان بحاجة عاجلة إلى إنهاء نفوذ الميليشيات المسلحة، ووضع الموارد الوطنية تحت إدارة حكومية شفافة، وإعادة بناء منظومة الأمن والقانون، حتى لا تتحول البلاد إلى نموذج دائم للفوضى. وفي ظل استمرار الصراع، يبقى السؤال الأكبر: هل يستطيع السودان استعادة الدولة قبل أن تصبح أرضه وثروته رهينة لقوة السلاح؟
خلاصة المشهد في السودان
في نهاية المطاف، يكشف تقرير “بي بي سي” أن ما يحدث في السودان لم يعد مجرد صراع سياسي، بل مشروع اقتصادي قائم على الذهب والنهب والدم. حمدتي، التاجر السابق، أصبح رمزًا لصعود الميليشيات وتحويلها إلى كيانات مالية ضخمة. ومع ذلك، يبقى الأمل في قدرة الشعب والقوى الوطنية على استعادة السودان وإعادته إلى مسار الدولة المدنية. ويبقى السودان أمام خيار تاريخي: إما إنقاذ البلاد الآن، أو تركها فريسة لإمبراطوريات السلاح والذهب.

